*بقلم الإعلامي علي أحمد – مدير موقع صدى فور برس*
بين مشهدٍ عبثيّ تُدار فيه قرارات نواب الأمّة عبر مكالمة من شخصٍ مجهول ينتحل صفة سفارة، وبين صورة رجل دولة دخل السراي من باب الكرامة وخرج منها من الباب نفسه، يمكن اختصار المأساة اللبنانية كلّها. هناك، في زمن «أبو عمر»، يُنتخب رئيس حكومة بالضغط والتهويل والوهم. وهنا، في تجربة البروفيسور حسّان دياب، تُدار الدولة بالمسؤولية والصمت والقرار الوطني الحر.
ما جرى في تسمية نواف سلام لم يكن فعلًا ديمقراطيًا طبيعيًا، ولا انعكاسًا لتوافق وطني أو ميثاقي. كان أقرب إلى مسرحية سوداء: اتصالات غامضة، شخصيات وهمية، نواب يُستدعون إلى «الالتزام»، ورسائل واضحة المعنى: إمّا الانصياع، أو الإقصاء. هكذا، وبنعومة السيف، جرى التعامل مع ممثلي الشعب، فسقطت هيبة المجلس، وسقط معها مفهوم السيادة.
في المقابل، وحين نعود إلى تجربة حسّان دياب، نكتشف الفارق الصادم. رجل لم يأتِ بأمرٍ خارجي، ولم يُفرض عبر وسطاء، ولم يستمد شرعيته من لهجة أو رقم هاتف. جاء في أصعب مرحلة عرفها لبنان منذ الاستقلال، وتحديدًا في زمن الانهيار الشامل، فحمل الدولة على كتفيه حين تخلّى الجميع عنها.
حسّان دياب، ومعه فقط الرئيس الراحل سليم الحص، يشكّلان استثناءً نادرًا في تاريخ رئاسة الحكومة اللبنانية: رؤساء لم تتّسخ أيديهم، ولم تُسجَّل عليهم صفقات، ولم يُعرف عنهم ارتهان. نظافة الكف لم تكن شعارًا عند دياب، بل سلوكًا يوميًا، والوطنية لم تكن خطبة، بل قرارًا كلّفه الكثير.
في عهده، واجه لبنان جائحة كورونا، وانهيارًا ماليًا غير مسبوق، وضغوطًا دولية خانقة، ثم انفجار مرفأ بيروت الذي هزّ العالم. ورغم ذلك، لم يهرب، ولم يتلطّ خلف أحد، ولم يُلقِ المسؤولية على غيره. بقي في المواجهة حتى اللحظة الأخيرة، ثم قدّم استقالته بكرامة، لأنّه رفض أن يكون شاهد زور أو واجهة لعجز الآخرين.
بين نوابٍ انحنوا أمام «أبو عمر»، ورئيس حكومة صمد في وجه العالم، تتّضح الصورة: المشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في النموذج. نموذج يُدار بالخوف والطمع، ونموذج يُدار بالضمير. الأول أوصل البلاد إلى القاع، والثاني حاول، وحيدًا، أن يضع حدًا للسقوط.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى رؤساء يُنتخبون بالضغط والتهديد والاتصالات المجهولة، بل إلى رجال دولة من طينة حسّان دياب: وطنيين بامتياز، أنقياء اليد، أصحاب قرار، لا يبدّلون مواقفهم تبعًا لاتجاه الريح.
في زمن الوهم، كان دياب حقيقة.
وفي زمن الانحناء، بقي واقفًا.
ولهذا بالضبط، لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إليه… وإلى أمثاله


